BLOGGER TEMPLATES - TWITTER BACKGROUNDS »

مصــــــر

مصــــــر
من أشرقت بدايته .. أشرقت نهايته - ابن عطاء السكندري


.. و لن نتوقف أبدا ..

أنا بالله و لله .. أنا على طريق القلب المحب .. طريق الحق و الثورة

فلا نامت أعين الجبناء


آه ، إن قوة الأرض و الدم مخيفة حقا. إنها لتستطيع أن تجذبنا إليها في كل حين كلما أردنا ارتفاعا ! - "سلطان الظلام" توفيق الحكيم

Thursday, March 1, 2012

زوربا || نيكوس كازنتزاكيس



اليوم، أمطرت ببطء، واتَّحدت السَّماء بالأرض بحنانٍ لا متناهٍ.
إنني أذكرُ نقشاً هندوكياً من الحجارةِ الرَّمادية القاتمة يمثِّل رجلاً مُلقياً ذراعيه حول امرأةٍ ومتَّحداً بها بكثيرٍ من العذوبة والاستسلام حتى أنك لتحسّ، بعد أن لعقَ الدَّهر الجسدين وتآكلهما، أنك ترى حشرتين متعانقتين بشدَّة، راح المطر الناعم يتساقط فوقهما، والأرض تتشرَّبه بلذَّة وتمهُّل.)


إنني جالسٌ في الكوخ.أنظر إلى السَّماءتتكدَّر، وإلى البحر يتألَّق ببريقٍ رماديٍّ أخضر.
ومن طرف السَّاحل إلى طرفه الآخر، ليس ثمَّة إنسان، ليس ثمَّة شراع، ليس ثمَّة طير.

رائحةُ الأرض وحدها تدخل من النَّافذة المفتوحة.ونهضت، ومددت يدي إلى المطر كأنني متسوِّل.وفجأة، رغبت في البكاء.
كان ثمَّة حزن، ليس من أجلي، ليس لي، أعمق، وأظلم، يتصاعد من الأرض النديَّة.
إنه كالرُّعب الذي يتملَّك الحيوان الذي يرعى، بلا مبالاة، ثم يشمّ حوله فجأةً، في الفضاء، دون أن يرى شيئاً، أنه مُحاصَر، لا يستطيع أن يُفلت.
وكدت أُطلق صرخةً، مدركاً أن ذلك سيعيد الهدوء إلى نفسي لكنني خجلت.

وكانت السَّماء تنخفض أكثرَ فأكثر.ونظرت من النافذة: كان قلبي يرتعد بهدوءٍ.إنها للذيذةٌ، وحزينةٌ جداً، تلك السَّاعات من المطر النَّاعم، تعيد إلى الذِّهن جميع الذِّكريات المُرَّة، المدفونة في القلب: فراقُ الأصدقاء، ابتساماتُ نساء قد انطفأت، آمالٌ قد فُقدت أجنحتها كفراشاتٍ لم يبقَ منها إلا الدُّود.
ولقد وقف هذا الدُّود فوق أوراقِ قلبي وراح يقرُضها.ورويداً رويداً، عبرالمطر والأرض النَّديَّة، صعدَت من جديد ذكرى صديقي، المنفيّ هناك، في القوقاز.
وأخذتُ ريشتي، وانحنيت على ورقي، وأخذت أحدِّثه، لأمزِّق شبكة المطر وأتنفَّس.
((أيها العزيز جداً، أكتب إليك من شاطيءٍ منعزلٍ في كريت، حيث اتَّفقنا، أنا والقدر، أن أبقى عدة شهور لأمثِّل، أمثِّل دور الرأسماليِّ، مالك منجم للينيت، رجلَ أعمال.
وإذا نجح تمثيلي، فسأقول آنذاك إنه لم يكن تمثيلاً، بل إنني اتخذت قراراً كبيراً، قراراً بأن أغيِّر حياتي.

((أنت تذكر أنك دعوتني، وأنت مغادرٌ، ((بالفأر قارض الورق))فأثرتَ غضبي، وقررتُ آنذاك، أن أهجرَ القِرطاس لفترة من الزَّمن-أو دوماً؟-وألقي بنفسي في العمل.
فاستأجرتُ تلاً صغيراً يحتوي على الِّلينيت، وتعاقدت مع عمَّال، واشتريت معاولَ، وأرفاشاً، ومصابيح الإستيلين، وسلالاً، وعربات، وحفرت أنفاقاً ودفنت نفسي فيها.
هكذا، كي أثير غَضبك.وتحوَّلت، بسبب الحفر وشقّ الدَّهاليز في الأرض، من فأرٍ قارض للورق إلى خُلد.
فأرجو أن تُسَّر لهذا التحوُّل .

((إن أفراحي هنا كبيرة لأنها في غاية البساطة، مصنوعة من عناصر خالدة: هواء صافٍ،شمسٌ، وبحر، وخبزُ حنطة.وعند المساء، يُحدِّثني، وهو جالسٌ أمامي، سندبادٌ بحريٌ رائع، يتحدَّث ويتَّسع العالم كلَّما تحدَّث.وأحياناً، عندما لا تَسدُّ الكلمة حاجته، ينتصبُ قافزاً ويرقص.وعندما لا يكفيه الرَّقص نفسه، يضع السانتوري على ركبتيه ويبدأ بالعزف.

((أحيانا، يعزف لحناً وحشياً، فتحسّ بأنك تختنق لأنك تفهم فجأة أن الحياة تافهة وبائسة، غير لائقة بالإنسان وأحياناً يعزف لحناً مؤلماً فتحس بأن الحياة تمرُّ وتنساب كما ينساب الرَّمل من بين الأصابع وبأن الطُّمأنينة لا وجود لها.
((ويذهب قلبي ويجيء، من طرف صدري إلى طرفه الآخر كمكّوك حائكْ إنه يُحيك هذه الأشهر القلائل التي سأمضيها في كريت وإنني أعتقد-ليسامحني الله!-إنني سعيدْ.

((يقول كونفوشيوس: ((كثيرون يبحثون عن السَّعادة فيما هو أعلى من الإنسان، وآخرون فيما هو أوطأ منه.لكن السَّعادة بطول قامة الإنسان)).

هذا صحيح.إذن فهناك عددٌ من السَّعادات بصدد ما للإنسان من قامات.تلك هي يا تلميذي ومعلِّمي العزيز، سعادتي اليوم،إنني لأقيسها، وأعيدُ قياسَها، قلقاً لأعرف ماطول قامتي الآن.لأن قامة الإنسان، كما تعلم، ليست دائماً واحدة.

((إن البشر يبدون لي، هنا، أنا أنظر إليهم من عزلتي، لا كالنَّمل .لكن على النَّقيض من ذلك، كوحوشٍ هائلة، من نوع الزَّواحف السَّامة الضَّخمة الطَّائرة المتحجِّرة، تعيش في جوٍ مشبعٍ بحامضِ الفحم وبعفونة المستحاثَّات الكثيفة.غابٌ غير مفهوم، عبثيٌ، مُعول.

إن مفاهيم ((الوطن))و((العِرْق))التي تحبها، ومفاهيم((الوطن الأعلى))و ((الإنسانية))التي جذبتني، لها قيمةُ نفحةِ الهدْم الفائقة القوة.إننا نحسُّ أننا صعدنا من جديد لنقول بضعة مقاطع، وأحيانا حتى ليس مقاطع، بل مجرد أصوات لا تلفظ مثل((آ))و ((او))!-ومن ثم نتحطَّم.

وأسمى الأفكار، لو بُقرت بطونها، لتبينَّا أنها، هي أيضا دمىً محشوَّة بالنِّخالة، ثم نجد نابضاً من التَّنك مخفياً في النِّخالة. ((أنت تعرف جيداً أن هذه التأمُّلات القاسية، وهي بعيدة عن أن تجعلني استسلم، إنما هي على النَّقيض من ذلك، أعواد ثقاب لا بد منها لشعلتي الداخلية.
لأنني،وكما يقول معلمي بوذا، قد((رأيت)).بما أنني رأيت واتفقت بغمزةِ عينٍ مع المخرج المسرحيِّ اللامرئيِّ، فإنني أستطيع من الآن فصاعداً، وكلي مزاجٌ رائقٌ ورغبةٌ في أن أفعل مالا داعي له، أن أمثِّل دوري على الأرض حتى النِّهاية، أعني بانسجامٍ وبدون أن تُثبط عزيمتي.
ذلك بما أنني رأيت، فقد اشتركت، أنا أيضاً، في العمل الذي أمثِّله على مسرح الله.

((وهكذا، أراك، وأنا أنقِّل نظري في المسرح الكونيِّ، هناك في مغاور القوقاز الأسطورية، تمثِّل أنت أيضاً، دورك، إذ تجهد نفسك لإنقاذ بضعة آلاف من أرواح عرْقِنا الذي يواجه خطر الموت.
إنك بروميثيوس آخر، لكنه يتحمَّل عذابات حقيقية وهو يناضل ضد قوى الظَّلام : الجوع،والبرد،والمرض،والموت.

لكنك تُسَّر أحياناً، لما فيك من كبرياء، من أن قوى الظَّلام كثيرة إلى هذا الحدّ وغير مرئيَّة، وهكذا يصبح هدفك في أن تكون بلا أمل تقريباً، أكثر بطولة، وتدرك روحك عظمةً أشدَّ فجيعة.
((إن هذه الحياة التي تعيشها تعتبرها، بلا شك، سعادة.ولمَّا كنت تعتبرها هكذا، فهي كذلك.لقد فصَّلت، أنت أيضا، سعادتَك على قدِّك، وقدُّك الآن –ليتمجد الرب!-يتجاوز قدِّي.
والمعلِّم الصَّالح لا يريد مكافأةً أروع من هذه : أن ينشيء تلميذاً يتجاوزه.

((أما أنا، فأنسى غالباً، وأنتقد، وأتيه، وما إيماني إلا فسيفساء من الجحود المستمِّر، وقد اشتهي أحياناً أن اقوم بمقايضة: أن آخذ دقيقة صغيرة وأعطي حياتي كاملة.لكنك، أنك تمسك بالدَّفة بحزم، ولا تنسى إلى أين أنت متَّجه، حتى في أعذب الَّلحظات المميتة.
((أتذكُر ذلك اليوم الذي كنَّا نعبر فيه معاً إلى إيطاليا، ونحن عائدان إلى اليونان؟لقد عزمنا على الذهاب إلى منطقة((بونت)) التي كانت في خطر آنذاك، أتذكر ذلك؟ وفي مدينة صغيرة، نزلنا من القطار بسرعة، إذ لم يكن أمامنا إلا ساعةً واحدةً قبل وصول القطار الآخر.

ودخلنا إلى بستانٍ كبيرٍ كثيف، قرب المحطَّة مملوء بالأشجار ذات الأوراق العريضة، وبأشجار الموز، وبقصب لونه معدنيٌّ قاتم، وبنحلات كانت متشبثة بغصن مزهر يرتجف، لأنه يراهاتمتصّ.
( (وتقدَّمنا بصمتٍ وقد أخَذتْنا النَّشوة، وكأنَّنا في حُلم.وفجأة، عند منعطف الدَّرب المُزهر، ظهرت فتاتان تمشيان وهما تقرآن، لا أذكر إن كانتا-جميلتين أو قبيحتين.

أذكر فقط أن إحداهما كانت شقراء، والأخرى سمراء، وإنهما كانت ترتديان ثوبين ربيعيين.
((وبجرأة الإنسان عندما يكون حالماً، اقتربنا منهما وقلت لهما ضاحكاً:
((مهما كان الكتاب الذي تقرآنه،فسوف نتناقش حوله)).
كانتا تقرآن غوركي.وعند ذاك، تقدمنا بسرعة لأننا كنا مستعجلين، وأخذنا نتحدث عن الحياة، والبؤس، وتمرُّد الرُّوح، والحب…
((لن أنسى أبداً فرحنا وألمنا.كنا قد أصبحنا، نحن وتانك الفتاتان المجهولتان، أصدقاء قدماء،أحبَّاء قدماء.كنا على عجلةٍ من أمرنا، وقد أصبحنا مسؤولين عن روحيهما وجسديهما:
فبعد دقائق سنغادرهما للأبد.وفي الهواء المرتجف، كانت رائحة الإغتصاب والموت.

((وصل القطار وصفَّر.وقفزنا كأننا استيقظنا.وتصافحنا.كيف ننسى تعانق أيدينا الشديد واليائس، والأصابع العشر التي لا تريد أن تنفصل.كانت إحدى الفتاتين شاحبة جداً، والأخرى تضحك وترتعد.
(( وأذكر أنني قلت لك عندئذٍ:
((هي ذي الحقيقة.أما اليونان، والوطن، والواجب، فهي كلمات لا تعني شيئاً.
وأجبتني أنت: ((اليونان، والوطن، والواجب، هذا لا يعني شيئاًبالفعل، لكننا من أجل هذا اللاشيء سنذهب عن طواعية لنموت)).

((لكن لماذا أكتب لك هذا؟لأقول لك أنني لم أنس شيئاً مما عشناه معاً.ولأتيح لنفسي أيضاً فرصة كي أعبر عما كان مستحيلا علي التَّعبير عنه عندما كنَّا معاً، بسبب تلك العادة الحسنة أو السَّيئة التي كنا نتقيَّد بها والتي كانت تُلزمنا بتمالك أنفسنا.
((والآن وأنت لست أمامي ولا ترى وجهي، وأنا لا أُخاطر بأن أبدو سخيفاً، فإني أقول لك إنني أحبُّك كثيراً)).

وختمتُ رسالتي ... لقد تحدَّثت مع صديقي وعاد الهدوءُ إلى أعصابي.

*** *** *** *** *** *** ***
نيكوس كازنتزاكيس

Monday, February 13, 2012

في الحب ،


دستويفسكي يقول:

في الحب
كيف أحب أن ألقاك
أود أن أحبك
دون أن أضيق عليك
أن أقدرك
لا أن أقيمك
أن أهتم بك
لا أن أقرر لك
أن آتي إليك
لا أن أتطفل عليك
أن أدعوك
دون أن أثقلك بمطالبي
أن أهديك شيئا
دون انتظار المقابل
أن أودعك
دون أن أفتقد شيئا
أن أخبرك بمشاعري
لا أن أحملك إياها
أن أعلمك
لا أن أدرس لك
أن أساعدك
دون أن أغضبك
أن أعتني بك
لا أن أغيرك
أن أسعد بك كما أنت
وعندما أجد منك نفس الشعور
عندها يمكننا فعلا أن نلتقي
وأن نتبادل الحب

Saturday, November 26, 2011

Salvador Dalí - ؤرؤية مغايرة


Salvador Dalí


تلك اللوحة معبرة جدا عن مصر في الوقت الحالي ،

تلك اللوحة هي لسلفادور دالي و هي تمثّل السيدة العذراء مريم .. و لكنني أراها تمثّل مصر حيث أنها تحمل طفلها المولود حديثا الذي أنهك قواها ليخرج للحياة بعد صراع مرير ن و تحمل في يدها الاخرى الكتاب الذي لم يفارق يدها لحظة قبل و بعد المخاض ، و هو منقذها من الهلاك المؤكد ..
هذا الكتاب رمز لكل ماهو ثابت و متجدد من عقل و فكر و كتب مقدسة و قلب متفتح و قصص مليئة بالدموعو الإبتسامات ..

مازال وجهها ملائكي جميل ، تحيطه هالة من الله ترعاه .. و تحاول أن تلملم أجزائها ليصبحوا واحدا مرة أخرى و ترجع نبضاتها الحياة لمن افقدها هي الحياة ..

فتعود ، فتنبض من جديد ..


نور بدر
السبت 26 نوفمبر 2011 - الساعة 4 عصرا
تعليقا على الأحداث المتراكمة من يوم 18 نوفمبر الجمعة حتى اليوم

Wednesday, November 23, 2011

حزن الخشب - على سلامة

الخشب بطبيعته دافى
لكن غربة النسمة الجميلة
... أجبرتنى ع المكيف
ما بقيتش عارف امتى اشتّى
ولا امتى أصيّف..

أوضة النوم القديمة
كلها خشب ف خشب..
ورغم كده.. باردة جدا..!
ما عرفش ليه..؟

رميت دماغى ع المخدة م التعب..
نسى قلبى كل اللى له
وافتكر بس اللى عليه..
شوية.. وابتديت أسمع أصوات غريبة
وأنا من دبت النملة بقلق..
وف عقل بالى أقول مصيبة
لو كان هجوم من بلطجية
وانا لا عندى بندقية
ولا تحت بيتى خندق..

وابتدى الجهل اللى فيا..
يقنعنى انه الأوضة مسكونة بالعفاريت
والغريبة انى ابتديت أصدق..
لولا ستر ربنا..
شوية العلم البسيط اللى لسة عندى
فكرونى.. اصحى يا ابومخ طوبة..
ده من فرق درجات الحرارة والرطوبة..
ابتدى الخشب يطقطق..
رميت المكيّف.. على أمل النسمة ترجع
واحكى لها عن حزن الخشب
يمكن تصدق..

http://www.almasryalyoum.com/node/517633

Saturday, November 5, 2011

معركة اليونسكو

سلامة أحمد سلامة
السبت 5 نوفمبر 2011 - 8:30 ص بتوقيت القاهرة

لم يكن المهم فى حصول فلسطين على العضوية الكاملة لليونسكو فى الجلسة الحاسمة التى حصلت فيها على تأييد 107 دول ومعارضة 14 وامتناع 52 عن التصويت، هو حجم التأييد الذى اعتُبر بمثابة مقدمة لقبول فلسطين فى الأمم المتحدة، ولكنه فوق ذلك يأتى بمثابة انتصار للحق والعدالة والقيم الإنسانية فى مواجهة الظلم والطغيان والقيم الأمريكية. وبعبارة أخرى انتصار ضد التحالف الأمريكى الصهيونى الذى سيطر منذ عقود على مقدرات الشعب الفلسطينى وفرض الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على دول عربية وأفريقية لانتهاج سياسات فى خدمة مصالح إسرائيل.

لقد ظلت المحاولات العربية لضم فلسطين إلى اليونسكو، ليست لأسباب سياسية فحسب، ولكن بالدرجة الأولى لأسباب ثقافية وتراثية وتعليمية، حيث تمثل هذه المنطقة إرثا عربيا تاريخيا قديما، يتعرض للنهب والضياع، ويجرى تدميره تحت سطوة الاحتلال فى المستوطنات، وما لا يتم تدميره يتم الاستيلاء عليه وضمه إلى دولة إسرائيل.. بحيث يجرى طمس معالم الهوية الفلسطينية منهجيا والقضاء عليها نهائيا.

ولهذا لم تكن معارضة أمريكا وإسرائيل لضم فلسطين نابعة من محاولات جعل القدس عاصمة لإسرائيل، أو غيرها من المدن الفلسطينية فى الأراضى المقدسة، بطريقة تحيى ما وعت الذاكرة الإنسانية من حقوق تاريخية للشعب الفلسطينى.. ولكنها كانت جزءا من مخطط أمريكى إسرائيلى يستهدف محو الهوية الفلسطينية والقضاء على فكرة الدولة. وهذا ما عملت أمريكا على تحقيقه خلافا للوعود والعهود التى أخذها أوباما على نفسه حين ألقى خطابه المشهور فى القاهرة، واتضح أنه كان يعمل على عكس ما وعد به من قيام الدولتين. وقد بذلت واشنطن جهودا مضنية فى الضغط على عشرات الدول الأفريقية والآسيوية الفقيرة، التى تعتمد على برامج الدعم من اليونسكو، لحملها على التصويت ضد ضم فلسطين أو الامتناع عن التصويت. وكانت أكثر الدول دعما للمجهود الأمريكى والإسرائيلى هى كندا وألمانيا. وظلت أمريكا تهدد بالامتناع عن سداد نصيبها فى ميزانية اليونسكو (60 مليون دولار) ولكن دون جدوى!

يتضح من نتائج التصويت إلى أى حد فقدت أمريكا ثقة العالم وثقة عدد كبير من الدول الصديقة والحليفة، وأن أساليب الابتزاز السياسى التى مارستها دفاعا عن إسرائيل، انكشفت أخلاقيا وسياسيا، وأصبحت تقف على طرفى نقيض مع المبادئ الأخلاقية والحرية التى دعت إليها أمريكا.

ولعل هذا ما يضع أمريكا فى موقف لا تحسد عليه فى علاقاتها مع دول الربيع العربى. فقد أصبحت كل المساعدات التى تقدمها باسم الدفاع عن الديمقراطية وتشجيع ودعم الحقوق المدنية تثير حولها كثيرا من الشبهات وحول المتعاملين معها.

هناك دول أوروبية عديدة خرجت على الصف الأمريكى مثل فرنسا وإسبانيا، وأيدت ضم فلسطين لليونسكو. وبدا واضحا أن الاتحاد الأوروبى لا ينطق بلسان واحد فقد امتنعت عدة دول أوروبية عن التصويت، وأيد بعضها الآخر. ولكن تبقى النتيجة فى النهاية رهنا بما تحقق من فوز فلسطين.. إذ لم يقتنع أحد بالحجج التى كانت تضغط بها أمريكا، من أن دخول فلسطين إلى اليونسكو سوف يعرقل مباحثات السلام. وأن الوقت ليس مناسبا لمثل هذه الخطوة قبل الشروع فى المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وهى كما نرى حجج تافهة لا تقدم ولا تؤخر. فلا توجد مفاوضات سلام من الأساس. ولم تكن فى أى وقت سببا فى توقفها. أو فى منع إسرائيل من الاستمرار فى بناء المستوطنات دون إبداء رغبة صادقة فى السلام.

وهكذا تبدو معركة اليونسكو وكأنها ضربة موجهة للنهج الأمريكى فى الشرق الأوسط وفى تحقيق الأمن والسلام فى العالم!

Wednesday, November 2, 2011

و«كنتاكى» فى رمى الجمرات

إبراهيم عيسى - التحرير

فى أجمل بقاع الأرض، فى المدينة المنورة حيث رائحة الجنة فى كل متر داخل مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الذى يشغل الآن خمسة عشر كيلومترا مربعا، هى مساحة يثرب كلها حين كانت فى عهد البعثة النبوية، أخرج من أحد أبواب المسجد فأجد إلى يمين الباب بعدة أمتار لا تتجاوز العشرة مقهى «ستاربكس» بشعاره المميز على زجاج واجهته وبعلب القهوة الكرتونية فى أيدى الحجاج، المقهى أمريكى شهير ويملكه مليونير صهيونى موالٍ لإسرائيل ويمول مستوطناتها بشكل معلن ومعروف، كما تشير وتؤكد كل حملات مقاطعته، ومع ذلك فهو هنا فى مدينة الرسول ويكاد يلتصق بسور مسجده. بعد مسافة هى الأخرى لا تتجاوز أمتارا أرى حديقة شاى على الطريقة الإنجليزية فى مدخل فندق «إنتركونتننتال» يجلس فيه الحجاج بملابسهم البيضاء يحتسون شايا أو يأكلون حلوى ويستمتعون بالشمس فى هذا النهار الرائع.

فى مكة، أقدس بقاع الأرض، وأمام المسجد الحرام حيث توق القلوب وشوق الحجيج وعطر السماء وطُهر النسيم، تقف عدة بنايات عبارة عن أبراج شاهقة تحيط بالمسجد، أصعد إلى إحداها حيث مول تجارى فى بهو البناية، ثم فى الأدوار التالية أكتشف وجود منطقة طعام مفتوحة تتوسط عدة مطاعم أمريكية أكثر شهرة مثل «ماكدونالدز» و«هارديز» و«بيرجر كنج»، يجلس الحجاج بملابس إحرامهم على موائد دائرية يأكلون من علب الطعام الجاهز والسريع تندلق على ملابس الإحرام رقع الكاتشب، وأنظر فأرى تحت عيونى مشهد الكعبة المهيب والحجيج يطوفون حولها بينما يشرب الناس أمامى الكوكاكولا فى زجاجات البلاستيك المطبوع عليها شعارات المطاعم الأمريكية، حول الكعبة وفى الأدوار المحيطة بها حيث يطوف الحجاج المتعبون والمرضى على كراسى متحركة بأنواعها المتطورة من التكنولوجيا لا يوجد فيها كرسى واحد صناعة دولة مسلمة أو عربية مثلا.

الإضاءات والمصابيح وحنفيات المياه والرخام على الأرض وأجهزة تكييف الهواء، وكل هذه العوامل المساعدة لحج أكثر راحة وأقل جهدا، ليس فيها شىء من صناعتنا ولا اختراعنا، كلها بلا استثناء مستوردة صنعها أجانب لم يعتقد أحدهم أنها سوف تساعد حاجا مسلما على قضاء شعيرته.

عند الكعبة وسط تدافع الطائفين المبتهلين الداعين الله المتبتلين فى عبادته الساعين لمغفرته البكّائين من التأثر والمخلصين فى أداء الشعيرة، أجد عشرات منهم يمسكون بأجهزة المحمول يتحدثون إلى أقاربهم فى البلاد البعيدة أو يستدعون عائلاتهم المصاحبة لهم فى الحج للمجىء للطواف وتحديد مواعيد للقاء عند باب من أبواب المسجد، وكنت مع الراكعين الساجدين العاكفين فى انتظار أذان الصلاة وسط مشهد الحج المهيب الرهيب وأحد الحجاج جالس على الأرض يطلب رقما فى التليفون ثم يتحدث بصوت عالٍ وصاخب مع زوجته -بالصدفة الحاج كان مصريا- ويبدو أنها كانت تطلب منه شراء أشياء فكان يسألها عن المقاسات والألوان المطلوبة! وكنت أسمع رنات كثيرة متداخلة حين الصلاة وصوت الإمام يتلو آيات الذكر الحكيم بصوت خاشع رائع دافئ يوقظ داخلك كل ما قرأته وعرفته وأحسسته عن الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، يوم جاء هنا فى هذا المكان وفى صحن الكعبة يتلو قرآن ربه لأول مرة علانية وسط المشركين متحديا كفرهم وقوتهم وحين كانت تصفق الأكُف بجواره حتى لا يسمع أحد القرآن وحين هوت عليه الأيدى الغليظة والأكُف الخشنة تضربه لتوقف صوت القرآن الكريم عن أن يصدح للدنيا ويصدع بكلمة الحق، لكن الآن رنات التليفونات المحمولة كانت تشوش فتطردها الآذان العطشى لصوت الإمام الرائق العذب.

فى مِنى حيث كنا نتدافع لرمى الجمرات ونعود إلى المخيمات فى أجمل إعياء فى حياة مسلم، إذا بى أرى شاحنات هائلة الحجم مرسوما عليها علامة مطعم «كنتاكى» والعمال يحملون منها آلاف الوجبات داخل علب بيضاء تحمل شعار محل الدجاج الأمريكى الأشهر ويتم توزيعها على الحجيج، وبدا أنه اتفاق بين متعهد غذاء وعدد من بعثات الحج أو أنها نفحات من شيوخ السعودية للحجيج توزع مجانا، بعد دقائق كانت آلاف من العلب فى أيدى آلاف من الحجيج بملابس إحرامهم يمشون ويجلسون ويقعدون ويأكلون حتى كان أكبر عدد أوراك فراخ شفتها فى حياتى!

إنها العولمة إذن..

لم يعد المسلم حتى فى قلب أغلى شعيرة وركن فى دينه يستطيع أن يبعد عن مظاهر وأشكال العولمة فى حياتنا.
حتى «ستاربكس» فى مدينة الرسول.
و«ماكدونالدز» يطل على الكعبة.
و«كنتاكى» فى رمى الجمرات!

Friday, October 28, 2011

علي عزّت بيجوفيتش

على عزت بيجوفيتش
بقلم محمد يوسف عدس


(أخذ مني 3 ساعات كاملة لدراسته)


رحل على عزت بيجو فيتش- الرئيس السابق لجمهورية البوسنة والهرسك –عن عالمنا فى يوم الاحد التاسع من شهر اكتوبر عام2003 ،وكان فى ذلك الوقت قد اكمل من عمرة الزمنى ثمانية وسبعين عاما .اما حياته فهى أعمق من هذا وأعرض ، تشمل هذه الحياة فكره ونشاطه وفاعليته وانجازاته ، فإذا أضفت ذلك الى عمره الزمنى لوجدتة يحمل اعمارا اخرى ويتسع لحيوات كثيرة لا حياة واحدة ، فهو بحق رجل بأمّة ، ومن اراد ان يدرك هذة الحقيقة علية ان يتصفح سجل افكارة واعمالة وينظر مليا فى مسيرة حياتة ونضالة .

فعزت بيجو فيتش طراز نادر فريد من البشر ونموذج حى لاستثمار الوقت واستثمار القدرات و المواهب التى اودعها الله فيه ..... لم يتوقف لحظة من حياتة دون عمل نافع حتى وهو فى السجن يقضى عقوبة عن جرائم لم يرتكبها ( سوى أنه فيلسوف ومفكر إسلامى مناضل عنيد ) ، ففى السجن كتب احد ابدع اعمالة (( فرار الى الحرية )) سطرها فى بضعة الاف من الصفحات اودع فيها اعمق تاملاتة فى الحياة والفن والفلسفة والدين والسياسة والاخلاق واعاد النظر فى قراءاتة السابقة وتقييمة للشخصيات والمواقف التى مرت بة . لم يملأ السجن مرارة على الحياة والناس ولم يسلمة لليأس والانسحاب والاكتئاب ، بل زادة ايمانا بقيمة الحرية الانسانية ، وجعلة يوقن بان الحرية هى اعظم هبة منحها اللة للانسان ، وان الانسان مسؤل عنها امام واهبها الاعظم ، وان الدفاع عن الحرية انبل مهمة يؤديها الانسان ليس فقط نحو نفسة انما ايضا نحو الاخرين ولو كانوا اعداءه وليس هذا كلام خطابة او انشاء بل واقع مشهود ومسجل فى تاريخ الرجل ، فبعد ان تم انتخابة وتوليتة رئاسة الجمهورية سنة 1990م- لم يكن فد انقضى على خروجة من السجن سنة واحدة ، ظن بعض الناس ان فرصتة قد واتتة لينتقم من اعداءة الذين لفقوا لة التهم وزوروا شهادة الشهود وحكموا علية بالسجن مع الاشغاِِِِل الشاقة ، ولكنه لم يفعل ، فلما سالة الصحفيون: الا تنتقم للظلم الذى وقع عليك ؟ قال لا انتقم الان ..........ولا بعد ذلك ........ نعم إننى لازلت أشعر بالظلم الشديد بينى وبين نفسى ، ولا أستطيع ان أحملها على نسيان التجربة المريرة ولا نسيان الوجوه الكريهة التى ارتبطت بهذة التجربة ، ولا خسة الضمائر والنفاق والكذب .........ولكنى لا انتقم أبدا فأنا الآن مسؤل عن حياة هؤلاء الناس وعن حقهم فى الحرية . وبالفعل كان عدد كبير من هؤلاء لا يزالون فى وظائفهم خلال فترة حكمة لم يمسسهم بسوء أما رأس الجريمة وزير الداخلية وبعض القضاة المتحيزين فقد كنسهم التاريخ فى تراب النسيان

مثقف وثائر :
لم تكن حياة عزت بيجوفيتش هانئة او رخاءا ، رغم انة ينتمى الى اسرة عريقة كانت تتمتع بالغنى والوفرة فى عهد يوغسلافيا الملكية وكانت تتمتع بالكفاية والستر فى عهد يوغسلافيا الشيوعية . كانت حياتة مليئة بالاشواك ، حافلة بالام تكاد تكون متصلة الحلقات ، فيما عدا فترات وجيزة من طفولتة تنسم فيها نسمات السعادة والرضا ، ممما سجلة فى سيرتة الذاتية التى سجلها قبل وفاتة ببضعة اشهر . هذة الالام ما كانت تاتية من مصدر شخصى ولا اسرى ولا حتى من دائرة العمل ، فقد يسر اللة علية هذة المجالات الثلاثة ، وانما كانت الامة تتصل ببيئتة الاجتماعية والايديولوجية الرافضة لهويتة : اولا كمسلم ثانيا كمفكر مناضل من اجل الحرية .

لقد ادرك فى وقت مبكر من حياتة ان شعبة يتعرض لظلم واضطهاد مستمرين بدرجات متفاوتة من الحدة والبطش سواء فى عهد يوغسلافيا الملكية او الشيوعية ، ولعل هذا الادراك كان هو الحافز الاكبر لة على ان يغوص فى اعماق الفكر الاوروبى حتى انة استطاع ان يقرا ويستوعب اهم الاعمال الفلسفية واكثرها اثرا فى تشكيل الثقافة الاوربية قبل ان يبلغ سن التاسعة عشر يقول عن هذة المرحلة فى سيرتة الذاتية ((لم اكن فى بداية الامر استعذب فكرة الفليسوف الالمانى ((هيجل)) وان كنت قد غيرت رايى فية بعد ذلك اما اكثر ما تاثرت بة من فلسفات فياتى على راسها فلسفة ((هنرى برجسون )) فى(( التطور الحى )) وفلسفة ((كانت)) خصوصا كتابه (( نقد العقل الخالص )) ، وكتاب من مجلدين للفيلسوف الالمانى(( شبنجلر)) بعنوان تدهور الغرب .

هذا الوعى المبكر بالظلم الواقع على شعبة كان وراء اتجاهة –فى المرحلة الجامعية – الى دراسة القانون ، حتى يتمكن من الدفاع لذلك كلة اثر النضال الفكرى العلنى ومقارعة الحجة بحجة اقوى منها ، ومن جراء هذة الشجاعة الفكرية تعرض للسجن مرتين فى حياتة : ففى الاولى حكم علية بالسجن لمدة ثلاثة اعوام ( مع الاشغال الشاقة ) فيما بين سنة 1946 الى سنة 1949 ، فى هذه المرة تصدى للرد على الهجوم الشرس الذى شنة الشيوعيين فى بداية حكمهم – على الاسلام والمسلمين فى البوسنة ، فقد وجد فية هجوما ظالما مليئا بالافتراءات والاكاذيب والجهل بالاسلام لا شك ان على عزت كان ثائرا متمردا ، ولكن ثورتة كانت ابعد ما يكون عن الغضب الهائج فقد كانت حكمتة وعقلة حتى فى هذا السن المبكر اسبق من ثورتة وكانت شجاعتة فى الحق وقوة فكرة ومنطقة وصلابة ارادتة بواعث له على المواجهة العلنية ، وكوابح له الا يلجا الى التدابير السرية والعمل تحت الارض .

، فقرر مع مجموعة من المفكرين المسلمين ان يرد على هذه الحملة ويفندها بالحجة والبرهان ، وان يكون هذا فى اجتماع جماهيرى حاشد بمدينة سراييفو .....حيث استقبلة الجماهير بالترحاب وصفقوا له هاتفين بحماس شديد ، وجاء رد السلطات الشيوعية فوريا حيث قام رجال الامن بالقاء القبض عليه هو وزملائة وهم لايزالون على منصة الخطابة واودعوهم السجون بتهمة التحريض و الثورة المضادة ...

عن قضية شعبة وكان هذا ضد رغبة ابية الاصلية الذى نصحة الا يفعل ذلك لانة لن يجد بعد تخرجة فى هذا التخصص عملا فى النظام الشيوعى ، طالما انة ليس عضوا فى الحزب ، فدخل كلية الزراعة ارضاءا لابية ولكنة رغم نجاحة هجرها بعد ثلاث سنوات وعاد الى اختيارة الاول فى دراسة القانون
كان لتجربة السجن اثار واضحة فى مواقف عزت بيجوفيتش كانسان وزعيم قائد وحاكم لامة فعلى المستوى الشخصى عمقت هذة التجربة لدية الوعى بقيمة الحرية الانسانية وقداستها ، على النحو تعلمنا ايضا مما سجلة عزت بيجوفيتش فى سيرتة الذاتية حقيقة ان بين النفوس البشرية هوة واسعة بين من لديهم قدرة خارقة على ارتكاب ابشع الجرائم وبين اخرين ترقى ارواحهم وتسمو درجات الى انبل مستويات التضحية بالنفس
الذى سبق ان اشرنا الية ، ويتفرع عن هذة الحقيقة انة فى المجال الشخصى كان يتمتع بقدرة خارقة على الصفح والمغفرة بلا حدود .... حالة تعجب لها خصومة ولم يفهمها اعداؤة فذهبوا فى تفسيرها شتى المذاهب ، نقرا هذة التفسيرات الخاطئة فى مذكرات
(( لورد اوين )) عن حرب البوسنة Balkan Odyssey وكان المفاوض الاوربى الذى فشل فشلا ذريعا فى مهمتة التفاوضية لانة كان مجبرا من قبل حكومتة البريطانية ، متحيزا للجانب الصربى كارها للمسلمين ، ومن ثم عرض مشروعة الشهير فى تقسيم البوسنة الى كانتونات طائفية جعل المسلمين فيها محاصرين فى جيوب متناثرة تحت ادارة هولامية لا يصدقها عقل ، اذا تاملتها مليا تجدها اشبة بالجيوب الفلسطينية المعزولة بجدران عنصرية ، فيما يحاول شارون طرحة على الساحة . فمشروع اوين مثل مشروع شارون ينبع من مصدر عنصرى واحد ، ولان عزت بيجوفيتش رفض هذا المشروع رفضا قاطعا واصر على وحدة البوسنة متعددة الاديان والاعراف –لعنة دافيد اوين وافترى علية ولم يرى فية سوى صورة الرجل الذى حال بينة وبين النجاح والحصول على جائزة نوبل للسلام التى كان يتطلع لها .

فاذا كان العفووالصفح من ابرزسمات عزت بيجوفيتش على المستوى الشخصى فان موقفة كرئيس لبلادة وامين على وطنة فى مواجهة عدوان غاشم كان حاسما صلبا قاطعا ..... لم يدخر وسعا ولا وسيلة من وسائل تدعيم القوة لشعبة فى رد العدوان الا اتخذها ، او سعى جاهدا للحصول عليها

ولكنة فى كل الاحوال لم يستسلم لغواية الانتقام وكانت اسبابة ودوافعة كثيرة متكررة كان اعداؤة يتفننون فى اساليب القتل والتنكيل والاذلال ، وكانت القيادات الصربية تدرب جنودها
وتدفعهم دفعا لارتكاب المجازر ضد المدنيين وانتهاك الاعراض وتمزيق الاجساد ، بل كانت تعاقب لمتراخين فى تنفيذ الاوامر ، بينما كان عزت بيجوفيتش يكبح جماح الغضب المتاجج فى قلوب جنودة وضباط جيشة ويمنعهم من الانتقام او ممارسة العقوبات الجماعية


المقاومة المسلحة
انشأ عزت بيجوفيتش جيشا من لا شئ ونظرا للحصار الدولى الذى حظر التسليح على البوسنة على سبيل الخطأ او الحظ العاثر او المؤاامرة – ونظرا لفشل جهودة فالدولية فى ابطال هذا الحظر الظالم ذهب يتسوق قطع السلاح من كل مكان حتى من ايدى الجنود الصرب انفسهم كانت ولادة الجيش ولادة متعثرة ، وكانت سنوات عمرة الاولى فى مواجهة جيش نظامى مدجج بالسلاح والعتاد لا يفتقر الى الامدادات والذخائر ، فمصانع السلاح والذخيرة اليوغسلافية لم تتوقف ، كانت سنواتة الاولى طفولة ضعيفة ، جرت فيها سلسلة من الحولدث المأساوية لشعب البوسنة ، ولكن هذا الجيش نفسة وجدناة ينمو بخطوات سريعة ويستوعب التدريب فلى ازمنة قياسية ورغم انة لم يكن يملك الدبابات ولا المدافع الثقيلة الا انة تمكن فى مرحلة من مراحل الحرب من تحديد مئات الدبابات الصربية وتثبيت خطوط المواجهة على سعتها وانتشارها ، وعبر سنوات الكوارث الاولى حتى صيف 1994، فأذا بة يبدا فى تحديد اراضى البوسنة ويحقق انتصارات تكتيكية على القوات الصربية ويبدا الجنود الصرب يفرون من المعارك ويتجنبون الالتحام مع القوات البشناقية المستميتة فى القتال ، وقد سجلت قيادات صرب البوسنة ما لا يقل عن خمسين الف حالة هروب من الخدمة العسكرية كذلك استطاع عزت بيجوفيتش ان يقنع قوات كروات البوسنة بالتحالف مع القوات البشناقية فى حصار مدينة (( بنيالوكا)) مقر قيادة القوات الصربية فلما اصبحت المدينة قاب قوسين او ادنى من التسليم تدخلت القوات الدولية لوقف اطلاق النار واقنع الاوربيون والامريكيون ((فرانيو توجمان )) رئيس جمهورية كرواتيا بالتدخل لسحب القوات الكرواتية من الحصار فى مقابل مساعدات سياسية واقتصادية لوحوا بها الية .

كان سقوط بنيالوكا فى ايدى البشناق سيعزز قدرات عز بيجوفيتش التفاوضية ويمنحة الفرصة لاحباط المخطط الصربى لتمزيق البوسنة ولكن الدول الاوروبية بالذات لم تكن لتقبل ان يفاوض المسلمين فى موقع القوة بل تريد لهم تسوية ذليلة مجحفة يقبل فيها البشناق بما تمنحة لهم لا ما ينتزعونة هم بقدرتهم ونضالهم لذلك تامرت مع الصرب فى الهجوم على المدينة((سربرنيتشا)) فى يوليو1995 وكان الصرب قد حاولوا اقتحامها قبل ذلك بثمانى وعشرون شهرا
( اى فى ابريل 1993) ولكن المقاومة البشناقية ردتهم عن المدينة وفى المرة الثانية كانت المؤامرة على نطاق واسع حيث اشتركت فيها الكتيبة الهولندية التابعة لقوات الامم المتحدة وكانت قد تسلمت مسئولية الدفاع عن المدينة باعتبارها احدى الملاذات الخمسة الامنة فى البوسنة وفقا لقرار مجلس الامن ولكنها تخلفت عن الدفاع عن المدينة وسمحت للقوات الصربية بالدخول واستخدام سيارات وقبعات جنود الاممم المتحدة للتموية على السكان واخذت القوات الصربية تفرز السكان حيث وضعت النساء والاطفال فى سيارات نقل فالقت بهم فى الغابات بعيدا عن المينة اما الصبيان والشباب والرجال من سن خمسة عشر الى الستينسنة فقد سيقوا فى طوابير طويلة الى مصير مجهول .

فى هذة الحملة الارهابية فقد شعب البوسنة ثمانية الاف قتيل دفن بعضهم احياء فى مقابر جماعية عندما اكتشفت وجدت بها جثث مقيدة الايدى ماتت اصحابها وقوفا على اقدامهم بعد ان اهيل عليهم التراب ولايزال الى اليوم اسر الضحايا تبحث عن ذويهم بلا جدوى فى مقابر جماعية اخرى لم تكتشف بعد .

ديموقراطية وصحافة حرة اسس عزت بيجوفيتش نظاما ديموقراطيا فى البوسنة والهرسك استمر قائما منذ بداية تسليمة السلطنة قبل الحرب وبدون تدخل جهات اجنبية وبقى خلال الحرب حتى هذة اللحظة بينما كانت صربيا
وكورواتيا يحكمهما حكومتان دكتاتوريتان يرأسهما ((سلوبودان ميلوسفيتش)) و((فرانيو توجمان) وابى ان يرفض الرقابة على الصحافة والاعلام اثناء الحرب وكان هذا الموقف مثيرا لدهشة المراقبين اصر علية عزت بيجوفيتش
رغم معارضة الكثير من قياداتة العسكرية والسياسية .



وقد اجريت دراسة محايدة فى هذا المجال قامت بها منظمة دولية قارنت اوضاع الاعلام فى كل من صربيا وكورواتيا والبوسنة هى المنظمة المعروفة باسم ARTICLE 19 المركز الدولى ضد المراقبة )) واودعت دراستها فى كتاب بعنوان ( تزييف حرب) Forging war هو فى الحقيقة شهادة ووسام على صدر عزت بيجوفيتش.



الاسلام والحضارة الغربية :::::::

فى حديثة عن العلاقة بين الاسلام والحضارة الغربية يقول يواجة المسلمون اختيارا صعبا لابد ان يتجنبوا فية اختيار احد طرفين متعارضين : الرفض التام للحضارة الغربية واتباعها اتباعا اعمى ، فكلاهما خطر بنفس القدر فرفض الحضارة الغربية برمتها سيبقى ضعفا الى الابد واذا اخذناها كلها بلا تمييز بين غثها وثمينها فسوف نفقد هويتنا ولا ينبغى ان يغيب عن وعينا ان الحضارة الغربية انما هى ثمرة جهود علماء كثيرين ينتمون الى اديان مختلفة وشعوب مختلفة وان قوة الغرب لا تكمن فى قوتة العسكرية والاقتصادية فحسب فهذا هو الجانب البرانى منها اما جانبها الجوانى فيتجلى فى التفكير النقدى وهذا هو ما يجب ان نتبناة على الفور ونتقنة والنقل الحرفى لمنتجات الحضارة الغربية وتقليده تقليدا اعمى يصيب الناقل المقلد بافة كامنة فى روحها وثقافتها تتمثل فى الصورة التاريخية للعالم كما تراة هذة الحضارة وكراهية الاسلام جزء من هذة الروح والثقافة التى تغذت قرونا باحقاد الحروب الصليبية والغزوات الاستعمارية على العالم الاسلامى ، وامتصاص هذة الروح العدائية يخلق عقدة نقص نلمسها فى اجيال المسلمين تعلموا فى الغرب وانبهروا بقوتة وتقدمة ، ومن هنا جاء احتقارهم لمجتمعاتهم المختلفة ورفضهم لثقافتهم الاسلامية واذا قمنا بدراسة الصراع الدائر اليوم فى المجتمعات المسلمة فسوف نتحقق ان جوهر الصراع يدور بين دعاة الحداثة المنحازين للغرب وبين المحافظين التقليديين هذا الصراع هو الذى مزق المجتمعات المسلمة وانتهى بها الى نهاية مأساوية محزنة.
فكرتان عظيمتان
واود هنا ان اعرض لفكرتين عظيمتين معاصرتين انبثقا فى الفكر الغربى : يدعو الى الفكرة الاولى كارل بوبر فى كتابة مجتمع مفتوح واعداءة من سمات هذا المجتمع الاساسية : حرية الفرد والنمو الشخصى والتفكير الحر والحق فلاى نقد النظم السياسية والتبادل الحر للاراء ولست اجد فى دين المسلمين ما يحول بينهم وبين الاخذ بهذة الفكرة واضافة الى ذلك فان بوبر يحث على التسامح ويقف ضد السلوك البربرى فى اوروبا الذى يعانى منة المسلمون فى القارة

اما الفكرة الثانية فتتمثل فى الدعوة الى عصر نهضة ثان فى اوروبا صاحب هذة الفكرة هو الفليسوف الالمانى ويتساكر Weizsacker ويتميز هذا العصر عن عصر النهضة الاول فى ان توجهة الى عوالم وثقافات خارج اوروبا هذا التحول الجديد نحو الخارج والانفتاح على ثقافات شعوبة يجعل للاسلام وثقافتة موضوعا محتملا فى اطار الاهتمام الاوروبى فى هذا المجال يسوق عزت بيجوفيتش اية قرانية من صورة المائدة لها دلالة ملفتة للنظر ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء اللة لجعلكم امة واحدة ولكن ليبلوكم في ما اتاكم فاستبقوا الخيرات الى اللة مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فية تختلفون ) ويعلق عزت بيجوفيتش على هذة الاية فيقول نحن لا نستطيع ان ندخل فى حلبة السباق الى الخيرات ونقنع الاخرين بجدارتنا وبما نملك من قيم عظيمة مالم نقو هويتنا او بالاحرى وعينا بهويتنا الخاصة فالمسلمون الواعون وحدهم هم القادرون على الاخذ والعطاء دون ان يلقوا بقيمهم الاسلامية وراء ظهورهم اما الذين انسلخوا من هويتهم ووطنوا انفسهم على الاخذ فقط فهؤلاء هم المتسولون الذين لا يحظون باهتمام الاخرين او احترامهم

مسلم اوروبى
فى لقاء مع مندوب صحيفة تشيرن الالمانية فى 5 نوفمبر 1994 سالة الصحفى السيد لرئيس انت معروف كمسلم حريص على التقاليد الاوربية والتسامح الاوربى والمنفتح على العالم باسرة ولكن هناك تقارير فى الصحافة الاوربية تقول ان هناك الان اسلمة جارية فى البوسنة والهرسك ... فهل هذة مجرد شائعات ؟ عزت بيجوفيتش سوف اوكون معك شديد الصراحة واقول لك : لا ليست هذة شائعات بل حقيقة فالعودى الى الدين اصبحت ظاهرة عالمية فى كل مكان تمكن الشيوعيين فية من قمع الدين على مدى خمسين الىسبعين سنة ماضية نعم هناك اسلمة فى البوسنة كما تسميها وهى صحوة اسلامية ولكن هناك فى البوسنة بنفس القدر صحوة ارثوذكسية وصحوة كاثوليكية والفرق ان عودة المسيحيين الى دينهم لم تلفت نظر اوروبا المسيحية وهذا امر افهمة ولا الومها علية اود فقط ان اصححك فى نقطة واحدة وهى ان تسامحى الذى تتحدث عنة ليس مردة الى كونى اوروبى وانما مصدرة الاصيل هو الاسلام فاذا كنت متسامحا حقا كما تقول فذلك لاننى اولا وقبل كل شئ مسلم ثم بعد ذلك اوروبى .

لقد لاحظت من تجربتى فى حرب البوسنة ان اوروبا لديها اوهام تعجز عن التحرر منها رغم الحقائق الدامغة فقد دمرت اثناء هذة الحرب مئات المساجد والكنائس كلها بلا استثناء دمرها مسيحيون ولم يدمر المسلمون كنيسة واحدة وقبل ذلك حكم الاتراك العثمانيون وهم مسلمون البلقان خمسمائة سنة فلم يهدموا كنيسة ولا ابادوا شعبا من الشعوب وحافظوا على الاثار المعمارية وعلى الاديرة الشهيرة فى جبال فروشكا جورا قريبا من بلجراد ولكنها لم تصمد ثلاثة اعوام فقط تحت الحكم الاوروبى فقد دمرها الشيوعيون والفاشيون خلال الحرب العالمية الثانية ... ولم يكن هؤلاء الشيوعيون والفاشيون الذين ارتكبوا هذة الجريمة من اسيا بل من قلب اوروبا وحتى هذة اللحظة لوم تبد اوروبا حساسية كافية ضد الفاشية المتصاعدة فى البلقان بل وقفت تتفرج على الدمار الذى الحقة الصرب فى البوسنة اننى اعتز باوروبا واحمل لها كل تقدير وانا اوروبى ولا استطيع ان اتخلص من جلدى ولكنى اقرر ان اوروبا لديها فكرة عن نفسها اعلى بكثير من حقيقتها !